أحمد بن علي الرازي

114

شرح بدء الأمالي

تعالى ، ولا صنع للعبد فيه مثل : الألم في المضروب عقيب الضرب ، وفي الانكسار عقيب الكسر ، وفوات الحياة [ 63 ] عقيب الموت ، وحركة الماء عند تحريك اليد فيه ، وحركة الخشبة عند إعقاد اليد عليها ، ونحو ذلك . وقالت المعتزلة : بأن هذه الآثار تولدت من فعل العبد ، فإن فعل السبب هو فاعل للمسبب . دليلنا ما ذكرنا « 1 » أن العبد لا يوصف بالقدرة في الإيجاد ، والاختراع بل الله تعالى ، هو الموصوف بذلك وقدرة الله تعالى قديمة ، ولا يختص ببعض الحوادث دون بعض . والثاني : أن هذه الآثار لو كانت فعلا للعبد ينبغي أن يقدر العبد على الضرب ، والامتناع عن الألم ، وعلى تحريك اليد في الماء والامتناع عن حركة الماء ، كذلك ما أشبهه ، وحيث لم يقدر علم أنه غير مقدور له أصلا . والثالث : أن العبد قد يرمى ثم يموت من ساعته فيحصل الإصابة والجزع وفوات الحياة عقيب موته ، ولو كان فعلا له لما تصور حصوله بعد موته ولا وجه إلى القول بالوجود لا بموجود ؛ لأنه يؤدى إلى تعطيل الصانع وتعجيزه ، ثم قضاء الله تعالى على أربعة أوجه ؛ قضاء الطاعة ، وقضاء المعصية ، والنعمة والشدة . والمذهب المستقيم في ذلك : إذا قضى للعبد بالطاعة فعليه أن يستقبله بالجهد والإخلاص ، حتى يكرمه الله [ 64 ] بالتوفيق لقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . يعنى الذين جاهدوا في طاعتنا ، وفي ديننا لنوفقنهم لذلك ، وإذا قضى بالمعصية فعليه أن يستقبله بالاستغفار والندامة حتى يرزقه المغفرة ؛ لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] . وإذا قضى بالنعمة فعليه أن يستقبله بالشكر والسخاء حتى يكرمه بالزيادة ؛ لقوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] .

--> ( 1 ) ذكر صاحب معارج القبول أن القضاء والقدر أربع مراتب جاء بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأخبر بها عن ربه . الأولى : علمه السابق لما هم عاملوه قبل إيجادهم . الثانية : كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض . الثالثة : مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج للكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه . الرابعة : خلقه له وإيجاده وتكوينه فإنه لا خالق إلا الله ، والله خالق كل شيء .